هشام جعيط

63

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إجراء التهدئة والادماج ، فجرى اللحاق بهم أو ألقي القبض عليهم ، وحتى في هذه الصورة فقد خيّر عمر المقاتلين بين أن ينتزعوا منهم أراضيهم أو أن يسترقوهم أو يعتقوهم ويعيدوا ادماجهم في النسق ، ومن المحتمل أن الحل الأخير هو الذي تم لأكثرهم . أما الدهاقين الذين لا ينبغي أن يخلط بينهم وبين أشراف الفرس من المقاتلين ، فقد اعتنق كثير منهم الإسلام « 1 » . ومهما كان الأمر ، فإنهم سيتحملون دورا كبيرا في التأطير ونقل الأوامر والوساطة الجبائية بين جماهير الفلاحين والسلطة العربية . لا فائدة في هذا المقام من الدخول في تفاصيل الجباية المفروضة على الأرض ، والتي كانت في بداية الأمر موحدة ( درهم وقفيز لكل وحدة مساحة عرفت بالجريب ) « 2 » ، ثم اتجهت أكثر فأكثر إلى التنوّع ارتباطا بمحصولات الأرض وبالقرب من مراكز التسويق ، منذ خلافة عمر ، مع استمرار الأمر زمن علي ، وأخيرا في خلافة معاوية الذي استكمل العمل التنظيمي الذي بدأه عمر « 3 » . لكن ينبغي الاحتفاظ بعنصرين ، أولهما أن المساحة الخاضعة للخراج كانت تساوي 36 مليون جريب « 4 » وثانيهما أن مساحة أراضي الصوافي لم تتجاوز 7 ملايين جريب « 5 » . وقد وفق الضبط الأكبر للجهاز الجبائي في التحصيل على دخل كان أقصاه 100 مليون من الدراهم من الفئة الأولى أي من أراضي الخراج . وخصص أكثر هذا المقدار لتسديد أعطيات المقاتلين المقيمين ( يبدو أنهم لم يقبضوا سوى عطاء أو عطاءين في المدائن ، أي قبل الانتقال إلى

--> - 36 ؛ ابن سلام ، كتاب الأموال ، ص 57 . جعل عمر من أهالي السواد ذميين ، لا عبيدا كما كان يتوقع أن تفرضه قوانين الحرب فأدى ذلك بالفقهاء إلى التذكير باستمرار بهذا القرار . والتساؤل نفسه موجود بخصوص مبدأ العهد : هل حصلوا عليه أم لم يحصلوا عليه ؟ منعه عنهم يحيى بن آدم ، ولم يفعل ذلك الشعبي الذي أوضح أن العهد ضمني لأنهم قبلوا بدفع الخراج : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 266 . لقد بقي الذين درسوا هذه المسائل في القرن الثاني رهن مقولات جامدة ، فعاقهم ذلك عن إقحام التدابير التي اتخذها عمر ضمنها . الواقع أن إضفاء الطابع الاسلامي على المفاهيم ساهم مساهمة خفية في إعادة تصورات عربية مبكرة إلى النشاط : ومن الغريب أن يبقى المستشرقون أيضا رهن هذه الاشكالية اللاواقعية . ( 1 ) راجع بخصوص الدهاقين عامة المسعودي ، مروج الذهب ج 2 ، ص 241 ؛ و Christensen ; L'Iran sous les Sassanides , p . 107 ؛ و Dennett , op . cit . , p . 32 ؛ وراجع حول اعتناقهم الاسلام ، فتوح البلدان ، ص 265 . ( 2 ) الجريب قياس مساحة يطابق انتاج أربعة أقفزة ويساوي 1592 مترا مربعا . ( 3 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 268 - 271 ؛ أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 36 - 38 ؛ Dennett , Con - : version , pp . 24 - 25 . يرى المؤلف أن فرض الضرائب تدقّق بعد سنة 22 ه . أي في أواخر خلافة عمر ، بمساعدة المغيرة بن شعبة ، انظر أيضا : Hill , Termination of Hostelities , p . 113 . ( 4 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 268 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 272 ، كانت مجرد إشارة إلى أن أغلالها 7 ملايين درهم . وبما أن أراضي الخراج في المرحلة الأولى ، وبموجب نمط الجباية الموحدة ، كانت تدر 36 مليونا من الدراهم فهذا استنباط قريب من المعقول .